
لقد أصبحت أبوظبي اليوم ملتقى الثقافات العالمية الحديثة، حيث تستضيف مسارحها مختلف العروض والأداءات، وتقدم دور السينما فيها أحدث إنتاجات استوديوهات هوليود، وتعرض قنواتها التلفزيونية باقات متنوعة من البرامج التي ترضي كافة الأذواق والفئات العمرية. لكن، وفي ظل هذا الانفتاح على العالم وثقافاته، تتمسك البلاد بتقاليدها الشعبية التي تعكس الكثير من شخصية وتاريخ شعبها. وإن كان هناك شحّ في المصادر الموّثقة المتعلقة بنمط حياة الناس في الإمارات قديماً، فإن البلاد تزخر بثروة كبيرة من التقاليد الشفهية في شكل قصص شفهية وأغاني ورقصات وقصائد شعرية.
ورغم اختلاف طبوع الفنون الشعبية بين مناطق الساحل والواحات والصحراء، إلا أن المضمون العام يبقى متشابها، حيث تتمحور مواضيعه حول الفخر والاعتزاز، والدين، والشجاعة، والمديح، والرجولة، والقوة، والشهامة. وفيما تتمثل بعض الأساليب الفنية في الأداء الصوتي فقط، هناك أنماط أخرى مصحوبة بالعزف على الآلات الموسيقية. كما توجد طبوع فنية خاصة بالرجال وأخرى يؤديها الرجال والنساء على حد سواء. وعموما، تؤدى جميع هذه الفنون والأداءات خلال المناسبات العامة مثل الأعراس والمناسبات الاجتماعية والدينية خاصة في عيد الفطر.
ويعتبر "الرزيف" من أهم مظاهر الفنون الشعبية الإماراتية، وهو عبارة عن أداء صوتي يؤدى بأسلوب شعري، يصطف فيه الرجال متقابلين يرتدون الملابس التقليدية مع أحزمة الذخيرة التي يتدلى منها الخنجر ذو الرأس المحني، ويحملون عصا الخيزران والبنادق، ويعززون أدائهم بإطلاق النار. وبعد الانتهاء من جميع المقاطع الشعرية، يتوقف المغنون ليأتي دور الراقصين (أو الرزافين) الذين يقدمون أداءً جميلاً من خلال التمايل والتنقل بين صفين مع رفع البنادق أحيانا فوق رؤوسهم ولفّها في حركات دائرية.
أما رقصة "العيالة"، فتجمع بين الغناء والرقص، وهي رقصة حربية في الأصل ترمز إلى النصر بعد المعركة، وهي تؤدى الآن للترحيب بكبار الشخصيات التي تزور أبوظبي وتعتبر تجسيدا للقيم التاريخية والثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة. في رقصة العيالة، يتحرك صف قارعي الطبول نحو صف حملة السيوف في حركات متناسقة وتعابير صوتية مصحوبة بإطلاق النار من البنادق والتلويح بالسيوف والخناجر، في عرض يجسد الشجاعة الحسية والأدبية للحياة البدوية في قلب الصحراء. وهناك رقصة مماثلة تسمى "الحربية" تتميز بالأهازيج وإلقاء القصائد الشعرية.
ومن طبوع الرقص الشعبي أيضا "النعاشة" و"الردحة" التي كانت تؤديها النساء البدويات في مختلف المناسبات. في رقصة النعاشة، تحرك الراقصات رؤوسهن يمنة ويسرة لإظهار جمال شعورهن الطويلة والمنسدلة على أكتافهن، خاصة عندما تعبر الأغاني المصاحبة للرقص عن الحب والفخر والإشادة بشجاعة رجال القبيلة. أما الردحة، فكانت في الأصل تؤدى بعــد حفل العرس، حيث تشدو النسـاء أغانٍ جميلة وهن في طريق العودة إلى البيت الذي توضع فيه العدة الموسيقية.
وتعكس بعض طبوع الفن الشعبي نمط الحياة البدوية كالعزلة، فتصف قصائد "الطارق" مشاعر مفارقة الأهل والأحباب والوحدة التي يمر بها الإنسان في الصحراء الموحشة. ويشدو المغني هذه الأهازيج وهو يمتطي ظهر ناقته لتؤنس وحشته. أما "التغرودة"، فهي أهازيج تحتفي بالحياة وتمجدها بأفراحها وأطراحها، وهي تُؤدى عادة من قبل رجلين أو ثلاثة يبحثون عن حيوان تائه، ويستخدمون هذه الأهازيج لحث مطاياهم على الإسراع ولتمضية الوقت أيضا.
ويعتبر "المالد" أو "المولد" نوعا مختلفا من أنواع الفن الاماراتي، حيث تدور مواضيع أغانيه الطويلة حول الدين وسيرة الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم" وأعماله العظيمة. ويرافق الأغنية مجموعة من "ضاربي الطار" أو قارعي الطبول في خلفية هادئة مصاحبة للراوي، فيما تردد مجموعة أخرى تضم عدداً أكبر من الناس قصائد وكلام الراوي.
وتشمل لوحات فنية أخرى أغاني "الونة" و"السامري". أما "الونة"، فهي أسلوب غنائي هادئ ورومانسي يؤديه شخصان ومحوره البطولة، وعادة ما تكون "الونة" مرافقة بقرع هادئ للطبل وأدوات موسيقية أخرى. أما "السامري"، فهو طابع غنائي بدوي قديم يستمد اسمه من كلمة "السمر" أي السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، حيث كان الغناء يدوم طوال الليل مصحوبا بعزف على آلة الربابة.
وقد كان لتطور وسائل الإعلام المعاصرة والحياة المدنية الحديثة تأثيراً كبيراً على طريقة عرض هذه الفنون. ومع ذلك فإن أداءها بصفة مستمرة أمام الجماهير العريضة وفي مناسبات مختلفة يعكس الأهمية الثقافية والتاريخية للتقاليد الشعبية، كما يضمن حمايتها والمحافظة عليها للأجيال القادمة.