الواحات

في بعض مناطق الصحراء، كان يمكن سحب مياه السلاسل الجبلية البعيدة بأميال عدة من الطبقات الصخرية المائية العميقة تحت الأرض. وقد سمح اكتشاف هذه الآبار لسكان هذه المناطق من الإقامة فيها بشكل موسمي. وفي العصر البرونزي قبل نحو 40 ألف سنة خلت، نمت القرى والواحات وتطورت معها زراعة الخضروات والقمح والنخيل إلى جانب رعي الماشية. كما أدى استخدام الأفلاج (نظام قنوات المياه الباطنية) في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية في العصر الحديدي قبل 30 ألف سنة إلى تطوّر الواحات ونمو زراعة النخيل.
كانت القبائل بحاجة إلى السيطرة على هذه المصادر الحيوية. وفيما كانت التقاليد البدوية تفرض آداب الكرم وحسن الضيافة تجاه الزوار المسالمين، توّجب على القبائل البدوية أيضا وضع إجراءات دفاعية ضد خطر الغارات العدائية. ومن بين الإجراءات الدفاعية المتخذة، تم وضع مخافر لحراسة القرية، لكن تم لاحقا بناء أبراج مراقبة تسمح بالإنذار مبكرا عن أي غزو محتمل. ومع تطور طرق وأساليب البناء، تم بناء تحصينات أكبر تكفي لحماية كافة سكان القرية، حيث وفرّت هذه المباني الكبيرة الأمن وأرست شعورا أكبر بالاستقرار في المكان. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مدن أبوظبي الحديثة كانت عبارة عن واحات في الأصل.
وقد كشفت المسوحات الأثرية أنه خلال العصر الحجري الحديث (قبل 9000 إلى 6000 سنة خلت)، كانت الأراضي الصحراوية القاحلة وغير المأهولة الآن في أبوظبي غنية بالمياه مُوّفرةً بذلك بيئة مستدامة للحياة الفطرية والزراعية وللسكان أيضا. لكن خلال فترة ألف عام تقريبا، تحركت الأمطار جنوباً مُسببة تبخّر الأودية الضحلة وبالتالي جفاف الأنهار والمجاري المائية. وكانت السماء الصافية تعني عدم تساقط الأمطار وأن الأرض لا ظل لها ولا غطاء يحميها من الحرارة الملتهبة، مما جعل درجات الحرارة ترتفع في النهار الى أقصاها بينما تنخفض ليلاً بشدة لتصل الى درجة التجّمد. وقد تغير النظام البيئي بشكل جذري، فهاجرت الطيور والثدييات إلى مناطق أكثر رحابة، واضطر السكان الأوائل لهذه الأرض الى التعايش مع هذه الظروف القاسية عبر الترحال الدائم يسوقون معهم قطعانهم من الماشية والجمال.
|