كسب الرزق من مياه الخليج
في المناطق الصحراوية الجرداء لجنوب شبه الجزيرة العربية، كان المجال ضيقاً أمام الناس لإقامة أي نشاط زراعي حقيقي. وقد لجأ سكان المنطقة إلى زراعة أشجار النخيل في الواحات، وفي ظلال هذه الأشجار، زرعوا بعض الخضروات والحبوب، لكن الغذاء لدى الأغلبية كان مقتصراً على اللحوم وأنواع مختلفة من الخبز والعصيدة. كما كانت مياه الشرب نادرة والحياة شديدة القسوة. وخلال فصل الشتاء، كان العديد من العائلات يقيم مؤقتاً على الساحل للعيش على صيد السمك، ثم يعود إلى الواحات في فصل الصيف لجمع محصول التمر والابتعاد أيضا عن رطوبة الساحل العالية. ولم تكن هناك أي فرصة لتأسيس أي نوع من الصناعات، وكانت المقايضة الوسيلة التجارية الوحيدة المتداولة.
الغوص وصيد اللؤلؤ
تُظهر الأدلة الأثرية أن سكان المنطقة اكتشفوا اللؤلؤ قبل حوالى 7000 عام، وقد اعتبر اللؤلؤ على مرّ التاريخ من أجمل الحلي التي طالما عرف قدماء المصريين قيمتها، وسعى الإغريق والرومان إلى اقتنائها. ولحوالي ألف عام، وفّر صيد مياه الخليج الغذاء والعمل والثروة للعديد من الأجيال، وذلك من خلال صيد السمك وبناء القوارب والبحث عن اللؤلؤ والتجارة. وقد أدى الرخاء الذي حققته الهند خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى تنامي الطلب على اللؤلؤ من قبل الطبقات العليا، وبحلول 1900 بلغت الإيرادات السنوية من تجارة اللؤلؤ حوالي 5 ملايين روبية. وقد وفّر هذا السوق المربح فرص عمل للغطّاسين وأطقم الملاحين والتجّار وبناة المراكب. وبلغ عدد قوارب الصيد في أوج هذه التجارة 1200 قارب، لكل قارب طاقم مكون من 18 رجل يعملون خارج المدن الساحلية والقرى التي تعرف اليوم بالإمارات العربية المتحدة.
وقد خلق ذلك فرصة للكسب الوفير لرجال كانوا يحققون دخلا بسيطا من عملهم في مزارع العائلة، لكن ذلك كان يعني ابتعادهم عن أسرهم وأطفالهم طوال موسم صيد اللؤلؤ الذي كان يستمر مدة 4 أشهر. أما أفضل أعضاء الطاقم كسبا فهم المستثمرون الذين يموّلون القوارب والعمليات، والقبطان الذي كان يتولى مهمة إيجاد أفضل الأماكن التي تحتوي على الصدف وسط البحار، والتاجر الذي كان يحقق أفضل الصفقات التجارية. أما الغطاسين، فكانوا يُكافؤون كل حسب جهده، الأمر الذي كان يعود بالربح عليهم، بل كثيرا ما كانوا يفضّلون الحصول على نسبة من الأرباح بدلا من أجر ثابت.كان عمل الغطاسين شاقاً وخطيراً. فعادة ما كان الغطاس يقوم بـ 50 غطسة عميقة يومياً خلال موسم صيد اللؤلؤ، حيث تبلغ مدة كل غطسة حوالي دقيقتين. وكان يُزّود فقط بكمامة أنف وواقيات جلدية للأصابع وسلة مصنوعة من الحبل وحجر وزنه نحو خمسة كيلوغرامات يساعده على الوصول الى قاع البحر. ولعودته سليما إلى السطح، يتم ربطه بحبل يشّده بمجرد استعداده للعودة إلى القارب. وكان يعتمد في ذلك على الشخص الذي يقوم بشد الحبل على سطح القارب من حيث استجابته الفورية وقوة ساعديه. وقد كان يتم تجميع كل صدف اللؤلؤ على سطح القارب ليتم فتحه مساءا أمام أعين القبطان، علما أن نسبة قليلة من الصدف كانت تحتوي على اللؤلؤ.
ومع الكساد الاقتصادي العالمي في الثلاثينيات من القرن العشرين وازدهار زراعة اللؤلؤ الصناعي في اليابان، تراجع صيد اللؤلؤ في المنطقة وحدث انهيار كبير لهذه الصناعة التقليدية المربحة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وتأثر آلاف الناس نتيجة ذلك وعانت المنطقة من تفشي البطالة وتقهقر الوضع الاقتصادي والمالي، واستمر ذلك إلى غاية اكتشاف النفط والطفرة الاقتصادية التي صاحبته.
صيد السمك
يتوفر بحر الخليج العربي على أكثر من 500 نوع من السمك الذي كان يمثل الغذاء اليومي للمجتمعات المقيمة على سواحل المنطقة. وتوّثق الأبحاث الأثرية استخدام الشِبَاك والصنارات – الصخور والحجارة بأحجام وأوزان مختلفة – والشراك التي كانت الأسماك تُدفع إليها فضلاً عن الخطّافات والحلقات والشراك المصنوعة من الصدف أو الخشب والموصولة فيما بينها، والتي ما إن يبتلعها السمك حتى يتم جذب الحبل واستخراج السمك من الماء الضحل نسبياً. كما هناك بعض الأدلة على استخدام الحراب في اصطياد الحيوانات البحرية الأكبر حجما مثل سمك القرش والسلاحف وسمك الأطوم والتي أصبحت اليوم ضمن أنواع السمك المحمية.
وتشير العديد من مكتشفات عظام الأسماك الى حدوث تغيير محدود في أنواع الأسماك عبر آلاف السنين. أما اليوم فإن الوسائل المفضلة لصيد السمك هي وسيلة شراك السلال بالاضافة الى استخدام الحبل والصنارة لاصطياد أسماك الهامور والشعري والدنيس والأرنب البحري. أما أسماك القرش والبياض والنهاش وسمك الببغاء فعادة ما يتم اصطيادها في الشعب المرجانية أو بمحاذاتها، وذلك باستخدام الشباك وشراك السلال والصنارات والحبال. وفي الماضي، كان يتم استخدام الشباك الخيشومية لصيد أنواع أكبر من الأسماك الموجودة في أعماق البحار مثل الكنعد، ولا تزال هذه الأسماك بأنواعها المختلفة تشكل جزءً من النظام الغذائي لسكان الامارات كما يمكن رؤية ذلك في أسواق السمك في البلاد مثل سوق السمك في مدينة العين.
بناء المراكب
لآلاف السنين، أحب الإنسان السفر عبر الأنهر والبحيرات والبحار. فطالما انطلق عشاق البحار لاستكشاف مناطق أخرى ولقاء شعوب مختلفة وتبادل الثقافات. وقاد الذكاء البشري إلى صنع القوارب المجوفة من جذوع الأشجار أو المصنوعة من المواد القابلة للطفو. وفي حال سكان منطقة الامارات الأوائل، فقد وفرت لهم أشجار النخيل كل شيء يريدونه، فتم صنع قارب "الشاشة" من سعف النخيل التي كانت واسعة الانتشار بسبب سرعة صنعها وسهولة حملها وخفة وزنها.
وهكذا، كبر الطموح للتقدم نحو مساحات أكبر. كما تطورت صناعة قوارب الملاحة بما يلبي الطلب. وأصبح بناء القوارب أحد أهم النشاطات في جنوب الخليج إلى جانب صناعة اللؤلؤ المتنامية، مما أدى الى نشوء أعمال أخرى ذات الصلة مثل صناعة الحبال والأشرعة.
واليوم، لا يزال بناة المراكب يبتكرون العديد من أنواع القوارب التقليدية. فالشاحوف عبارة عن قارب خشبي صغير وخفيف يبلغ طوله بين 18 و22 قدم. وهناك قارب مشابه لكن أكبر حجماً يُعرف بـ"العاملة" ويبلغ عرضه 6 أقدام وطوله 30 قدما. أما مراكب الدهو، التي يُشار إليها عموماً باللنشات فيمكن أن تكون بين 50 الى 80 قدم طولا وعادة ما تكون مزودة بظهر. أما البناء فيتم يدوياً باستخدام أدوات تقليدية بسيطة مثل المنشار والقَدّوم والمثقاب القوسي والإزميل والمطرقة والمبرد. وفي كثير من الأحيان، يتم توارث المهارات في نطاق الأسرة. وليس هناك حاجة لوضع تصميم للبناء بفضل التدريب والخبرة التي يتحلى بها الحرفيين المهرة. كما لم تتغير أساليب بناء المراكب إلا قليلا عبر الأجيال. فالقوارب مبنية بالألواح الملتصقة الموضوعة جنباً الى جنب حيث يتم وضع مئات الثقوب حتى لا ينشق الخشب عندما تدخل فيه المسامير الطويلة الرقيقة لتثبيت الألواح الى الهياكل الخشبية.
وتعرف ساحات بناء المراكب ضغطاً وانشغالاً متواصلاً بسبب الطلب على المراكب التقليدية – خاصة مراكب الشحن وقوارب السباق. وتجد الجماهير تشجع أطقمها المفضلة في مناسبات مثل عطلة العيد الوطني السنوية حيث يمكن رؤية نوعين من القوارب – قارب أحادي الشراع للمياه الضحلة تحت سيطرة فريق صغير ومتمرس والقارب الأكبر حجماً ذو مجاديف يركبه حوالي 100 جداف. وهناك القليل من بلدان العالم ممن تحافظ على فن بناء المراكب بهذه المعايير العالية ودون استخدام الأدوات الآلية: ويمكن الاستمتاع بمشاهدة هذه الحرفة في ساحة في منطقة البطين في أبوظبي.
قد تبدو الحياة البحرية مختلفة اليوم عما كانت عليه من قبل، كما يظهر ذلك في الصور الفوتوغرافية لخط ساحل أبوظبي في خمسينيات القرن العشرين، حين كان الساحل مأهولاً بمجموعات الصيادين فقط، مقارنة بمشهد الفنادق الفارهة والمباني العالية اليوم. لكن، وبفضل رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، فقد تم بناء دولة حديثة عصرية تتميز بتطلعها الدائم إلى المستقبل، واهتمامها واحترامها الكبير لماضيها و تراثها.